فصل: تفسير الآية رقم (58)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 57‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ‏(‏56‏)‏ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ‏(‏57‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب إِدريس‏}‏ وهو سبط شيث، وجَدّ أبي نوح، فإنه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام، واشتقاقه من الدرس؛ لكثرة دراسته لما أوحي إليه، وكثرة ذكره لله تعالى‏.‏

رُوِيَ أنه كان خياطًا فكان لا يدخله الإبرة ولا يخرجها إلا بذكر الله‏.‏ ورُوي أنه جاء إليه الشيطان يفتنه بفستق، فقال له‏:‏ هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في هذه الفُسْتقة‏؟‏ فقال له عليه السلام‏:‏ ‏(‏الله قادر على أن يدخل الدنيا كلها في سم هذه الإبرة، ونخس عينه‏)‏، ذكره السنوسي في شرح مقرئه‏.‏ قال ابن وهب‏:‏ إنه دعا قومه إلى لا إله إلا الله، فامتنعوا فهلكوا‏.‏ وفي حديث أبي ذر‏:‏ أنه رسول، وجمع بينه وبين حديث الشفاعة، وقولهم لنوح‏:‏ إنك أول رسول، بأن تكون رسالته لقومه خاصة، كهود وصالح، وكذا آدم وشيث، فإنه أرسل لبنيه لتعليم الشرائع والإيمان، ولم يكونوا كفارًا، وخلفه في ذلك شيث، قال المحشي الفاسي‏:‏ والأظهر عندي في نوح أنه أول رسول من أهل العزم، لا مطلقًا‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ والأشهر أن إدريس عليه السلام لم يرسل، وإنما هو نبي فقط، وذهب إلى ذلك ابن بطال، ليسلم من المعارضة، وهي مدفوعة بما ذكرنا‏.‏ ه‏.‏ فالمشهور أن إدريس رسول إلى قومه‏.‏ رُوي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم والحساب، وخاط الثياب‏.‏ قيل‏:‏ وهو أول نبي بُعث إلى أهل الأرض‏.‏

قال تعالى في وصفه‏:‏ ‏{‏إِنه كان صدِّيقًا نبيًّا‏}‏‏:‏ خبران لكان، والثاني مخصص للأول؛ إذ ليس كل صديق نبي‏.‏ ‏{‏ورفعناه مكانًا عليًّا‏}‏، هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا، كما قال تعالى في حق نبينا‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ‏}‏ ‏[‏الشّرح‏:‏ 4‏]‏، وقيل‏:‏ الجنة، وقيل‏:‏ السماء الرابعة، وهو الصحيح‏.‏

رُوِيَ عن كعب وغيره في سبب رفعه أنه مشى ذات يوم في حاجته، فأصابه وهج الشمس وحرها، فقال‏:‏ يا رب أنا مشيت يومًا، فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد‏!‏ اللهمَّ خَفِّفْ عنه من ثقلها، واحمل عنه حرها، فلما أصبح الملَك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف، فقال‏:‏ يا رب كلفتني بحمل الشمس، فما الذي قضيت فيه‏؟‏ فقال‏:‏ إن عبدي إدريس سألني أن أُخفف عنك حملها وحرّها فأجبته، قال‏:‏ يا رب اجعل بيني وبينه خُلَّة، فأذن له، حتى أتى إدريس، فقال له إدريس‏:‏ أخبرت أنك أكرم الملائكة عند مَلَك الموت، فاشفع لي ليؤخر أجلي، لأزداد شكرًا وعبادة، فقال له الملك‏:‏ لا يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، فقال‏:‏ قد علمت ذلك، ولكنه أطيب لنفسي، قال‏:‏ نعم، ثم حمله ملك الشمس على جناحه فرفعه إلى السماء‏.‏ رُوي أنه مات هناك وردت إليه روحه بعد ساعة، فهو في السماء الرابعة حي‏.‏ وهذه قصص الله أعلم بصحتها‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ ارتفاع المكان والشأن يكون على قدر صفاء الجنان، والإقبال على الكريم المنان، فبقدر التوجه والإقبال يكون الارتفاع والوصال‏.‏

بقدر الكد تكسب المعالي *** وَمَنَ رَامَ العُلا سَهِرَ الليالي

أتبغي العز ثم تنام ليلاً *** يَغُوصُ البحر منَ طلب اللآلي

قال بعضهم‏:‏ من عامل الله على بساط الأنس‏:‏ رفع، لا محالة، إلى حضرة القدس‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ‏(‏58‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏‏:‏ مبتدأ، و‏{‏الذين‏}‏‏:‏ خبره، أو ‏{‏الذين‏}‏‏:‏ صفته، و‏{‏إذا تتلى‏}‏‏:‏ خبره‏.‏ والإشارة إلى المذكورين في السورة، وما فيه من معنى البُعد؛ للإشعار بعلو رتبتهم وبُعد منزلتهم في الفضل، و‏{‏من النبيين‏}‏‏:‏ بيان للموصول، و‏{‏من ذرية‏}‏‏:‏ بدل منه بإعادة الجار، و‏{‏سُجدًا وبُكيًّا‏}‏‏:‏ حالان من الواو، و‏{‏بكيًّا‏}‏‏:‏ جمع باك، كمساجد وسجود، وأصله‏:‏ بكوى، فاجتمع الواو والياء، وسُبق إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وحركت الكاف بالكسر المجانس للياء‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ المذكورون في السورة الكريمة هم ‏{‏الذين أنعم الله عليهم‏}‏ بفنون النعم الدينية والدنيوية، ‏{‏من النبيين من ذرية آدم‏}‏، وهو إدريس عليه السلام ونوح، ‏{‏ومن حملنا مع نوحٍ‏}‏ أي‏:‏ ومن ذرية من حملناهم في السفينة، وهو إبراهيم؛ لأنه من ذرية سام بن نوح، ‏{‏ومن ذرية إبراهيم‏}‏، وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقوله‏:‏ ‏{‏وإِسرائيلَ‏}‏ أي‏:‏ ومن ذرية إسرائيل، وهو يعقوب، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية‏.‏ ‏{‏وممن هدينا‏}‏ أي‏:‏ ومن جملة من هديناهم إلى الحق واجتبيناهم إلى النبوة من غير هؤلاء‏.‏

‏{‏إِذا تُتلى عليهم آياتُ الرحمن خَرُّوا سُجدًا وبُكيًّا‏}‏، هذا استئناف؛ لبيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له، مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب، وكمال النفس والزلفى من الله عزّ وجلّ، أي‏:‏ إذا تتلى عليهم، آيات الرحمن، إما عند نزولها عليهم، أو بسماعها من غيرهم، لحديث‏:‏ «أحب أن أسمعه من غيري» ثم بكى صلى الله عليه وسلم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً‏}‏ ‏[‏النِّساء‏:‏ 41‏]‏ فكان الأنبياء عليهم السلام مثله، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ساجدين وباكين‏.‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا، فَإِنْ لمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا» وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ سورة مريم، فسجد فيها، فقال‏:‏ ‏(‏هذا السجود، فأين البكاء‏)‏ ‏؟‏

قال بعضهم‏:‏ ينبغي أن يدعو الساجد في سجوده بما يليق بآيتها، فهاهنا يقول‏:‏ اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك‏.‏ وفي الإسراء يقول‏:‏ اللهم اجعلني من الخاضعين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، وهكذا‏.‏ والذي ورد في الخبر‏:‏ يقول‏:‏ «سَجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَه وصوَّره، وشقَّ سمعَه وَبَصَرَه، بحوله وقُوته، اللهم اكتب لي بها أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام»‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قد أثنى الله تعالى على هؤلاء السادات المُنعَم عليهم بكونهم إذا سمعوا كلام الحبيب خضعوا ورقَّت قلوبهم، وهو أول درجة المحبة، وفوقه الفرح بكلام الحبيب من مكان قريب، وفوقه الفرح بشهود المتكلم، وهنا ينقطع البكاء؛ لدخول صاحب هذا المقام جنة المعارف، وليس في الجنة بكاء‏.‏

وأيضًا‏:‏ من شأن القلب في أول أمره الرطوبة، يتأثر بالواردات والأحوال، فإذا استمر عليها اشتد وصلُب بحيث لا يؤثر فيه شيء من الواردات الإلهية‏.‏ وفي هذا المعنى قال أبو بكر رضي الله عنه، حين رأى قومًا يبكون عند سماع القرآن‏:‏ ‏(‏كذلك كنا ثم قست القلوب‏)‏، فعبَّر عن تمكنه بالقسوة، تواضعًا واستتارًا، وإنما أثنى على هؤلاء السادات بهذه الخصلة؛ لأنها سُلّم لما فوقها‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 63‏]‏

‏{‏فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ‏(‏59‏)‏ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ‏(‏60‏)‏ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ‏(‏61‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏62‏)‏ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ‏(‏63‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏جنات عدن‏}‏‏:‏ بدل من الجنة، بدل بعض؛ لاشتمالها عليها، وما بينهما اعتراض، أو نصب على المدح‏.‏ و‏{‏إلا سلامًا‏}‏‏:‏ منقطع، أي‏:‏ لكن يسمعون سلامًا، ويجوز اتصاله، على أن المراد بالسلام الدعاء بالسلامة، فإن أهل الجنة أغنياء عنه، فهو داخل في اللغو‏.‏ و‏{‏بالغيب‏}‏‏:‏ حال من عائد الموصول، أي‏:‏ وعدها، أو من العباد، و‏{‏مأتِيًا‏}‏‏:‏ أصله مأتوي، فأبدل وأدغم كما تقدم‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏فخَلَفَ من بعدهم‏}‏ أي‏:‏ جاء بعد أولئك الأكابر، ‏{‏خَلْفٌ‏}‏ أي‏:‏ عقب سوء، يقال لعقب الخير «خَلَفٌ» بفتح اللام، ولعقب الشر «خلْف» بسكون اللام، أي‏:‏ فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء، ‏{‏أضاعوا الصلاة‏}‏ أي‏:‏ تركوها وأخروها عن وقتها، ‏{‏واتبعوا الشهواتِ‏}‏؛ من شرب الخمر، واستحلال نكاح الأخت، من الأب، والانهماك في فنون المعاصي، وعن علي رضي الله عنه‏:‏ هم من بَني المُشيد، وركب المنضود، ولبس المشهور‏.‏ قلت‏:‏ ولعل المنضود‏:‏ السُرج المرصعة بالجواهر والذهب‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هذا عند اقتراب الساعة، وذهاب صالح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في السكك والأزقة‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏فسوف يلقون غيًّا‏}‏‏:‏ شرًا، فكل شر عند العرب غيٌ، وكل خير رشاد‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الغيُّ‏:‏ واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حرِّه، أُعد للزاني المصرِّ، ولشارب الخمر المدمن، ولأهل الرياء والعقوق والزور، ولمن أدخلت على زوجها ولدًا من غيره‏.‏ ه‏.‏

‏{‏إِلا مَن تاب وآمن وعمل صالحًا‏}‏، هذا يدل على أن الآية في الكفار‏.‏ ‏{‏فأولئك‏}‏ المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، ‏{‏يدخلون الجنة‏}‏ بموجب الوعد المحتوم، أو يُدخلهم الله الجنة، ‏{‏ولا يُظلمون شيئًا‏}‏‏:‏ لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئًا، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم، ولا ينقص أجورهم، إذا صححوا المعاملة مع ربهم‏.‏

‏{‏جنات عدنٍ‏}‏ أي‏:‏ إقامة، لإقامة داخلها فيها على الأبد، ‏{‏التي وعد الرحمن عبادَه بالغيب‏}‏ أي‏:‏ ملتبسين بالغيب عنها لم يروها، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار، أو ملتبسة بالغيب، أي‏:‏ غائبة عنهم غير حاضرة‏.‏ والتعرض لعنوان الرحمانية؛ للإيذان بأن وعده وإنجازه لكمال سعة رحمته تعالى، ‏{‏إِنه كان وعده مَأْتِيًّا‏}‏؛ يأتيه من وعُد به لا محالة، وقيل‏:‏ هو مفعول بمعنى فاعل، أي‏:‏ آتيًا لا محالة، وقيل‏:‏ مأتيًا‏:‏ منجزًا، من أتى إليه إحسانًا، أي‏:‏ فعله‏.‏

‏{‏لا يسمعون فيها لغوًا‏}‏ أي‏:‏ فضول كلام لا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها‏.‏ وفيه تنبيه على أن اللغو ينبغي للعبد أن يجتنبه في هذه الدار ما أمكنه‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المرْءِ تَرَكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» وهو عَامٌّ في الكلام وغيره‏.‏ ‏{‏إِلا سلامًا‏}‏، أي‏:‏ لا يسمعون لغوًا، لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، ‏{‏ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا‏}‏ أي‏:‏ على قدرهما في الدنيا، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبدًا‏.‏

قال القرطبي‏:‏ ليلهم إرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، أي‏:‏ ونهارهم رفع الحجب وفتح الأبواب‏.‏

قال القشيري‏:‏ الآية ضرب مثل لما عهد في الدنيا لأهل اليسار، والقصد‏:‏ أنهم أغنياء مياسير في كل وقت‏.‏ ه‏.‏ وسيأتي عند قوله‏:‏ ‏{‏يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ‏}‏ ‏[‏الزّخرُف‏:‏ 71‏]‏ كيفية أرزاقهم‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏تلك الجنة‏}‏‏:‏ مبتدأ وخبر، جيء بهذه الجملة؛ لتعظيم شأن الجنة وتعيين أهلها، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد؛ للإيذان ببُعد منزلتها وعلو رتبتها، أي‏:‏ تلك الجنة التي وُصفت بتلك الأوصاف العظيمة هي ‏{‏التي نُورث‏}‏ أي‏:‏ نورثها ‏{‏مِنْ عبادنا من كان تقيًّا‏}‏ لله بطاعته واجتناب معاصيه، أي‏:‏ نُديمها عليهم بتقواهم، ونمتعهم بها، كما يبقى عند الوارث مال مورثه يتمتع به، والوراثة أقوى ما يستعمل في التملك والاستحقاق من الألفاظ؛ من حيث إنها لا يعقبها فسخ ولا استرجاع ولا إبطال‏.‏ وقيل‏:‏ يرث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار، لو آمنوا وأطاعوا، زيادة في كرامتهم‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فخلف من بعدهم خلف‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية تنسحب على من كان أسلافه صالحين، فتنكب عن طريقهم، فضيّع الدين، وتكبر على ضعفاء المسلمين، واتبع الحظوظ والشهوات، وتعاطى الأمور العلويات، فإن ضم إلى ذلك الافتخار بأسلافه، أو بالجاه والمال، كان أغرق في الغي والضلال، يصدق عليه قول القائل‏:‏

إن عاهدوك على الإحسان أو وعدُوا *** خانوا العهود ولكن بعد ما حلفوا

بل يفخرون بأجداد لهم سلفت *** نِعم الجدود ولكن بئس ما خلَّفوا

إلا من تاب ورجع إلى ما كان عليه أسلافه، من العلم النافع والعمل الصالح، والتواضع للصالح والطالح، فيرافقهم في جنة الزخارف أو المعارف، التي وعد الرحمن عباده المخصوصين بالغيب، ثم صارت عندهم شهادة، إنه كان وعده مأتيًا، لا يسمعون فيها لغوًا؛ لأن الحضرة مقدسة عن اللغو، ‏{‏إلا سلامًا‏}‏؛ لسلامة صدورهم، ولهم رزقهم فيها من العلوم والأسرار والمواهب، في كل ساعة وحين، لا يرث هذه الجنة إلا من اتقى ما سوى الله، وانقطع بكليته إلى مولاه‏.‏ وبالله التوفيق

ولما أبطأ الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يا جبريل ما يَمنعُكَ أن تزورنَا أكثرَ مما تَزورنا‏؟‏»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 65‏]‏

‏{‏وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ‏(‏64‏)‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ‏(‏65‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ وجه المناسبة لما قبله- والله أعلم-‏:‏ أن الحق جلّ جلاله لما سرد قصص الأنبياء وما نشأ بعدهم، وكان جبريل هو صاحب وحيهم الذي ينزل به عليهم، ذكر هنا أن نزوله ليس باختياره، فقال‏:‏ ‏{‏وما نتنزل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ حاكيًا لقول جبريل عليه السلام‏:‏ ‏{‏وما نتنزَّلُ‏}‏ عليك يا محمد ‏{‏إِلا بأمرِ ربك‏}‏، وذلك حين أبطأ الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب، ورجا أن يوحي إليه فيه، فأبطأ عليه أربعين يومًا‏.‏ قاله عكرمة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ثنتي عشرة ليلة، أو خمس عشرة‏.‏ فشقَّ على النبي صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة‏.‏ وقال‏:‏ «يا جبريل قد اشتقت إليك، فقال جبريل‏:‏ إني كنت أَشْوَق، ولكني عبد مأمور، إذا بُعثتُ نزلت، وإذا حُبست احتَبَستُ، فأنزل الله هذه الآية وسورة الضحى»، والتنزل‏:‏ النزول على مَهَل، وقد يُطلق على مطلق النزول، والمعنى‏:‏ وما نتنزل وقتًا غِبّ وقتٍ إلا بأمر الله تعالى، على ما تقتضيه حكمته‏.‏

وقيل‏:‏ هو إخبار عن أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها مخاطبين بعضهم لبعض بطريق التبجح والابتهاج، أي‏:‏ ما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر الله تعالى ولطفه، وهو مالك المور كلها، سالفها ومُتَرَقَّبُهَا وحاضرها، فما وجدناه وما نجده هو من لطفه وفضله‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ ولا يخفى حينئذ مناسبته‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏له ما بين أيدينا وما خَلْفَنا وما بين ذلك‏}‏ أي‏:‏ وما نحن فيه من الأماكن والأزمنة، فلا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان، إلا بأمره ومشيئته، وعن مقاتل‏:‏ ‏{‏له ما بين أيدينا‏}‏ من أمر الدنيا ‏{‏وما خلفنا‏}‏ من أمر الآخرة، ‏{‏وما بين ذلك‏}‏ مما بين النفختين، وهو أربعين سنة‏.‏ أو ما بين أيدينا بعد الموت، وما خلفنا قبل أن يخلقنا، وما بين ذلك مدة حياتنا، أي‏:‏ له علم ذلك كلها ‏{‏وما كان ربك نَسِيًّا‏}‏‏:‏ تاركًا لك ومهملاً شأنك، أو‏:‏ ذَاهِلاً عنك حتى ينسى أمر الوحي إليك؛ لأنه مُحال، يعني‏:‏ أن عدم نزول جبريل لم يكن إلا لعدم الأمر به؛ لحكمة بالغة فيه، ولم يكن تركه تعالى لك إهمالاً وتوديعًا، كما زعمت الكفرة‏.‏ وفي إعادة اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه والإشعار بعلية الحكم ما لا يخفى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربُّ السماوات والأرض وما بينهما‏}‏ بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى؛ فإن من بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحته الغفلة والنسيان‏.‏ والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فاعبُده واصطَبِرْ لعبادته‏}‏ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من كونه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما‏.‏

أو من كونه تعالى غير تارك له عليه السلام، أو غير ناسٍ لأعمال العاملين، والمعنى على الأول‏:‏ فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة فاعبده، أو حين عرفته تعالى لا ينساك، أو‏:‏ ينسى أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها، ولا تحزن بإبطاء الوحي وهزْءِ الكفرة، فإنه يراقبك ويلطف بك في الدنيا والآخرة، ‏{‏هل تعلم له سَمِيًّا‏}‏ أي‏:‏ شبيهًا ونظيرًا، أو هل تعلم أحدًا تسمى بهذا الاسم غير الله العالي، والتسمية تقتضي التسوية بين المتشابهين، ولا مثل له، لا موجودًا ولا موهومًا، مع أن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلاً، ولم يتجاسر أحد أن يسمي بهذا الاسم، ولو تجاسر أحدٌ لهلك‏.‏

وقيل‏:‏ إن أحدًا من الجبابرة أراد أن يسمي ولده بهذا الاسم، فخف به وبتلك البلدة‏.‏ ذكره القشيري في التحبير‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ما قاله جبريل عليه السلام من كونه لا ينزل إلا بأمر ربه ليس خاصًا به؛ بل كل أحد لا حركة له ولا سكون إلا بالله وبمشيئته، فلا يصدر عن أحد من عبيده قول ولا فعل، ولا حركة ولا سكون، إلا وقد سبق في علمه وقضائه كيف يكون، فلا انتقال ولا نزول إلا بقدر سابق وتحريك لاحق؛ «ما من نفَس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه»‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

مشيناها خطى كُتبت علينا *** ومن كُتبت عليه خطى مشاها

ومن قسمت منيته بأرض *** فليس يموت في أرض سواها

فراحة الإنسان أن يكون ابن وقته، كل وقت ينظر ما يفعل الله به، فبهذا ينجو من التعب، ويتحقق له الأدب‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 72‏]‏

‏{‏وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ‏(‏66‏)‏ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ‏(‏67‏)‏ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ‏(‏68‏)‏ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ‏(‏69‏)‏ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ‏(‏70‏)‏ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ‏(‏71‏)‏ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ‏(‏72‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏أئذا‏}‏‏:‏ ظرف، والعامل فيه محذوف، أي‏:‏ أأُخرج إذا مت، لا المتأخر عن اللام لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، إلا أن يرخص في الظروف‏.‏ واللام في ‏{‏لَسَوْفَ‏}‏ ليست للتأكيد، فإنه مُنْكِرٌ، وكيف يحقق ما ينكر، وإنما كلامه حكاية لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه الذي قال‏:‏ والله إن الإنسان إذا مات لسوف يُخرج حيًّا، فأنكر الكافر ذلك وحكى قوله، فنُزلت الآية على ذلك، قاله الجرجاني‏:‏ و‏{‏الشياطين‏}‏‏:‏ عطف على ضمير المنصوب، أو مفعول معه‏.‏ و‏{‏جثيًّا‏}‏‏:‏ حال من ضمير ‏{‏لنحضرنهم‏}‏ البارز، أي‏:‏ لنحضرنهم جاثين، جمع جاث، من جثى إذا قعد على ركبتيه، وأصله‏:‏ «جثوو» بواوين، فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين، فكسرت الثاء تخفيفًا، وانقلبت الواو الأولى ياء؛ لانكسار ما قبلها، فاجتمعت واو وياء، وسبقت إحداهما بسكون، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، ومن قرأ بكسر الجيم‏:‏ فعلى الإتْبَاعِ‏.‏

و ‏{‏أَيُّهُم‏}‏‏:‏ مبني على الضم عند سيبويه، لأنه موصول، فحقه البناء كسائر الموصولات، لكنه أعرب في بعض التراكيب للزوم الإضافة، فإذا حذف صَدْرُ صِلَتِهِ زاد نقصُه فقوي شبه الحرف فيه، وهو منصوب المحل بلننزعن، وقرئ منصوبًا على الإعراب، ومرفوعًا عند الخليل وغيره بالابتداء، وخبره‏:‏ ‏{‏أشد‏}‏، والجملة محكية، والتقدير‏:‏ لننزعن من كل شيعة الذين يُقال لهم أيهم أشد‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ وقال يونس‏:‏ علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، و‏{‏عتيًّا‏}‏ و‏{‏صليًّا‏}‏ أصلهما‏:‏ عتوى وصلوى، من عتى وصلى، بالكسر والفتح، فاعلاً بما تقدم‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ويقول الإِنسانُ‏}‏ أي‏:‏ جنس الإنسان، والمراد الكفرة، وإسناد القول إلى الكل لوجود القول فيما بينهم، وإن لم يقله الجميع، كما يقال‏:‏ بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما القاتل واحد، وقيل‏:‏ القائل‏:‏ أُبيُّ بن خَلَف، فإنه أخذ عظامًا بالية، ففتتها، وقال‏:‏ يزعم محمد أنا نُبعث بعد ما نموت ونصير إلى هذا الحال، فنزلت‏.‏ أي‏:‏ يقول بطريق الإنكار والاستبعاد‏:‏ ‏{‏أئذا ما متُّ لسوف أُخرج حيًّا‏}‏ أي‏:‏ أأبعث من الأرض بعد ما مِتُّ وأُخرج حيًا‏؟‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أولا يَذكُرُ الإِنسانُ‏}‏، من الذِّكر الذي يُراد به التفكر، ولذلك قُرئ بالتشديد من التذكير‏.‏ والإظهارُ في موضع الإضمار؛ لزيادة التقرير والإشعار بأن الإنسانية من دواعي التفكر فيما جرى عليها من شؤون التكوين، فإذا ترك التفكر التحق بالبهائم، فهلاّ يذكر أصله‏!‏ وهو ‏{‏أنا خلقناه من قبلُ‏}‏ أي‏:‏ من قبل الحالة التي فيها، وهي حالة حياته، ‏{‏ولم يكُ شيئًا‏}‏ أي‏:‏ والحال أنه لم يك شيئًا أصلاً، وحيث خلقناه وهو في تلك الحال فلأن نبعث الجمع بتفرقاته أولى وأظهر؛ لأن الإعادة أسهل من البدء‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فوربّك لنحشرنهم‏}‏ أي‏:‏ لنجمعنهم بالسّوق إلى المحشر بعدما أخرجتهم من الأرض‏.‏

وإقسامه سبحانه بربوبيته مضافة إلى ضميره- عليه الصلاة والسلام-؛ لتحقيق الأمر، والإشعار بِعِلِّيَّتِهِ، وتفخيم شأنه، ورفع منزلته صلى الله عليه وسلم، وفيه إثبات البعث بالطريق البرهاني على أبلغ وجه وآكده، كأنه أمر واضح غني عن التصريح به، وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال، أي‏:‏ حيث ذكر الحشر وما بعده‏.‏ ولم يصرح بنفس البعث؛ لتحقق وضوحه، وإنما قال‏:‏ ‏{‏فوربّك لنحشرنهم‏}‏ أي‏:‏ نجمعهم ‏{‏والشياطينَ‏}‏ المغوين لهم، إلى المحشر، وقيل‏:‏ إن الكفرة يُحشرون مع قرنائهم من الشياطين التي كانت تغويهم، كل منهم مع شيطانه في سلسلة، ‏{‏ثم لنحضِرَنَّهم حول جهنم جثيًّا‏}‏‏:‏ باركين على ركَبِهم؛ لما يدهمُهم من هول المطلع، والجثو‏:‏ جلسة الذليل الخائف‏.‏

والآية كما ترى، صريحة في الكفرة، فهم الذين يُساقون من الموقف إلى شاطئ جهنم، جُثاة؛ إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من شدة الخوف‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً‏}‏ ‏[‏الجَاثيَة‏:‏ 28‏]‏ فهي عامة للناس في حال الموقف قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، فإن أهل الموقف جاثون على الرُّكب، كما هو المعتاد في مقام التفاؤل والخصام، قلت‏:‏ ولعل هذا فيمن يُناقش الحساب، وأما غيرهم فيلقى عليهم سحابة كنفه، ثم يقررهم بذنوبهم ويسترهم، كما في الحديث‏.‏

‏{‏ثم لنَنْزِعَنَّ من كل شيعةٍ‏}‏ أي‏:‏ من كل أمة تشيعت دينًا من الأديان، ‏{‏أيُهم أشدُّ على الرحمن عِتيًّا‏}‏ أي‏:‏ من كان منهم أعصى وأعتى، فيطرحهم فيها‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أي‏:‏ أيهم أشد جرأة، وقال مجاهد‏:‏ فجورًا وكذبًا، وقال مقاتل‏:‏ علوًا، أو غلوًا في الكفر، أو كبرًا، وقال الكلبي‏:‏ قائدهم ورأسهم، أي‏:‏ فيبدأ بالأكابر فالأكابر بالعذاب، ثم الذي يليهم جرمًا‏.‏ وفي ذكر الأشدية تنبيه على أنه تعالى يعفو عن بعض أهل العصيان من غير الكفرة، إذا قلنا بعموم الآية، وأما إذا خصصناها بالكفرة، فالأشدية باعتبار التقديم للعذاب‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم لنَحنُ أعلمُ بالذين هم أولى بها صِليًّا‏}‏ أي‏:‏ أولى بصليها وأحق بدخولها، وهم المنتزعون الذين هم أشدهم عتوًا، أو رؤوسهم، فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم‏.‏

‏{‏وإِن منكم إِلا وارِدُها‏}‏، فيه التفات لإظهار مزيد الاعتناء، وقرئ‏:‏ «وإن منهم»‏.‏ ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الخلق، أي‏:‏ وإن منكم أيها الناس ‏{‏إلا واردها‏}‏ أي‏:‏ واصلها وحاضرها، يمرُ بها المؤمنون وهي خامدة، وتنهار بغيرهم‏.‏ وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك فقال‏:‏ «إِذَا دَخَلَ أَهْلَ الجَنَّة قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ‏:‏ أَليْسَ قَدْ وعدنَا ربُّنا أَنْ نَرِدَ النَّارَ‏؟‏ فَيُقالُ لَهُمْ‏:‏ قَدْ وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ» وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏ فالمراد به الإبعاد عن عذابها، وقيل‏:‏ ورودها‏:‏ الجواز على الصراط بالمرور عليها‏.‏

وعن ابن مسعود‏:‏ الضمير في ‏{‏واردها‏}‏ للقيامة، وحينئذ فلا يعارض‏:‏ ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 102‏]‏، ولا ما جاء فيمن يدخل الجنة بغير حساب، ولا مرور على الصراط، فضلاً عن الدخول فيها، على أنه اختلف في الورود، فقيل‏:‏ الدخول وتكون بردًا وسلامًا على المؤمن‏.‏

وقيل‏:‏ المرور كما تقدم، وقيل‏:‏ الإشراف عليها والاطّلاع‏.‏ قال القشيري‏:‏ كلٌّ يَرِدُ النارَ، ولكن لا ضيْرَ منها ولا إحساس لأحدٍ إلا بمقدار ما عليه من السيئات، والزلل، فأشدُّهم فيها انهماكًا‏:‏ أشدهم فيها بالنار اشتعالاً واحتراقًا، وأما بريء الساحة، نقي الجانب بعيد الذنوب، فكما في الخبر‏:‏ «إن النار عند مرورهم ربوة كربوة اللَّبَن- أي‏:‏ جامدة كجمود اللبن حين يسخن- فيدخلونها ولا يحسون بها، فإذا عبروها قالوا‏:‏ أليس قد وعدنا جهنم على الطريق‏؟‏ فيقال لهم‏:‏ عبرتم وما شعرتم»‏.‏ ه‏.‏

‏{‏كان على ربك حتمًا مقضيًّا‏}‏ أي‏:‏ كان وُرودهم إياها أمرًا محتومًا أوجبه الله تعالى على ذاته، وقضى أنه لا بد من وقوعه‏.‏ وقيل‏:‏ أقسم عليه، ويشهد له‏:‏ «إلا تحلة القسم»‏.‏

‏{‏ثم نُنَجِّي الذين اتقوا‏}‏ الكفرَ والمعاصي، بأن تكون النار عليهم بردًا وسلامًا، على تفسير الورود بالدخول، وعن جابر أنه قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «الوُرودُ الدُّخولُ، لا يَبْقَى بَرٌّ ولا فَاجِرٌ إِلاَّ دخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وسَلاَمًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيم، حَتَّى إنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ» وإن فسرنا الورود بالمرور، فنجاتهم بالمرور عليها والسلامة من الوقوع فيها، ‏{‏ونذَرُ الظالمين فيها جِثيًّا‏}‏‏:‏ باركين على ركبهم، قال ابن زيد‏:‏ الجثي شر الجلوس، لا يجلس الرجل جاثيًا إلا عند كرب ينزل به‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ من أراد كرامة الآخرة فَلْيُرَبِّ يقينه فيها، حتى تكون نصب عينيه، فإنه يرد على الله كريمًا‏.‏ ومن أراد السلامة من أهوالها فليخفف من أوساخها وأشغالها، ويلازم طاعة الله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومن أراد سرعة المرور على الصراط، فليلزم اليوم اتباع الصراطِ المستقيم، فبقدر ما يستقيم عليها تستقيم أقدامه على الصراط، وبقدر ما يزل عنها يزلُّ عن الصراط‏.‏

قال في الإحياء، لما تكلم على العدل في الكيل والوزن، قال بعد كلامه‏:‏ وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته، فالويل له إن عدل عن العدل، ومال عن الاستقامة، ولولا تعذُّر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن منكم إلا واردها‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، فلا ينفك عبدٌ ليس معصومًا عن الميل عن الاستقامة، إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فبذلك تتفاوت مدة إقامتهم في النار إلى أوان الخلاص، حتى لا يبقى بعضُهم إلا بقدر تحلة القسم، ويبقى بعضهم ألفًا وألوف سنين، نسأل الله تعالى أن يقربنا من الاستقامة والعدل، فإن الاستداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه غير مطموع فيه؛ فإنه أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف، ولولاه لكان المستقيم عليه لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار، الذي من صفته أنه أدق من الشعر، وأحدّ من السيف، وبقدر الاستقامة على الصراط المستقيم يخِف مرور العبد يوم القيامة على الصراط‏.‏

ه‏.‏

وقال الترمذي الحكيم‏:‏ يجوز الأولياء والصديقون وهم لا يشعرون بالنار، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 101‏]‏، وإنما بَعُدوا عنها لأن النور احتملهم واحتوشهم، فهم يمضون في النار، حتى إذا خرجوا منها قال بعضهم لبعض‏:‏ أليس قد وُعدنا النار، فذكر ما تقدم‏.‏ ثم قال‏:‏ فأما ضجة النار فمن بردهم، وذلك أن الرحمة باردة تطفئ غضب الرب، فبالرحمة نالوا النور، حتى أشرق في قلوبهم وصدورهم، فكان نوره في قلوبهم، والرحمة مظلة عليهم، فخمدت النار من بردهم عندما لقُوهَا، فضجت من أجل أنها خلقت منتقمة، فخافت أن تضعف عن الانتقام‏.‏ ولذلك رُوي أنها تقول‏:‏ «جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورُك لهبي»‏.‏ ه‏.‏

وقال الورتجبي‏:‏ إذا كان جمال الحق مصحوبهم، فلا بأس بالوقوف في النيران، فإن هناك أهل الجنان‏.‏

إذا نزلت سلمى بواد فماؤها *** زلال وسَلسال وسيحانها وِرْدُ

‏.‏‏.‏ ه‏.‏

وقال جعفر الصادق‏:‏ لولا مقاربة النفوس ما دخل أحد النار، فلما فارقتهم نفوسهم أوردهم النار بأجمعهم، فمَنْ كان أشد إعراضًا عن خبث النفس كان أسرع نجاة من النار، ألا ترى الله يقول‏:‏ ‏{‏ثم نُنجي الذين اتقوا‏}‏‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ وقد تقدم أن من لا حساب عليهم- وهم المقربون- يمرون على الصراط ولا يحسون به، وهم الذين يمرون عليه كالطير أو كالبرق، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه، وبجاه خير الخلق مولانا محمد نبيه وحبه، آمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 74‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ‏(‏73‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ‏(‏74‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏هم أحسن‏}‏‏:‏ صفة لِكَمْ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وإِذا تُتلى عليهم‏}‏؛ على الكفرة ‏{‏آياتُنا‏}‏ الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم، والناطقة بحسن عاقبة المؤمنين، حال كونها ‏{‏بيناتٍ‏}‏‏:‏ واضحات في نفسها، أو بينات الإعجاز، أو بينات المعاني، ‏{‏قال الذين كفروا‏}‏ أي‏:‏ قالوا، ووضع الموصول موضع الضمير؛ للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يُتلى عليهم رادين له، أو‏:‏ قال الذين تمرَّدوا في الكفر والعتو؛ وهم النضر بن الحارث وأتباعه، قالوا ‏{‏للذين آمنوا‏}‏، اللام للتبليغ، أي‏:‏ قالوا مبلغين الكلام لهم، وقيل‏:‏ لام الأجل، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 11‏]‏ أي‏:‏ لأجلهم وفي حقهم، والأول أولى؛ لأن الكلام هنا كان معهم بدليل قوله‏:‏ ‏{‏أيُّ الفريقين‏}‏ أي‏:‏ المؤمنين والكفار، ‏{‏خيرٌ‏}‏ كأنهم قالوا‏:‏ أينا ‏{‏خيرٌ مقامًا‏}‏ أي‏:‏ مكانًا‏:‏ نحن أو أنتم، وقرئ بالضم، أي‏:‏ موضع إقامة ومنزل، ‏{‏وأحسنُ نَدِيًّا‏}‏؛ مجلسًا ومجتمعًا، أو‏:‏ أينا خير منزلاً ومسكنًا، وأحسن مجلسًا‏؟‏

يُروَى أنهم كانوا يُرجلون شعورهم ويدهنونها، ويتزينون بالزينة الفاخرة، ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين، يريدون بذلك أن خيريتهم، حالاً، وأحسنيتهم، مقالاً، مما لا يقبل الإنكار، وأنَّ ذلك لكرامتهم على الله سبحانه وزلفاهم عنده، وأنَّ الحال التي عليها المؤمنون، من الضرورة والفاقة ورَثَاثَةِ الحال؛ لقصور حظهم عند الله‏.‏ وما هذا القياس العقيم والرأي السقيم إلا لكونهم جَهلةً لا يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، وذلك مبلغهم من العلم، فردَّ عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قَرْنٍ هم أحسنُ أثاثًا‏}‏‏:‏ مالاً ومتاعًا ‏{‏ورِءْيًا‏}‏؛ منظرًا، أي‏:‏ كثيرًا من القرون التي كانوا أفضل منهم، فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية، كعاد وثمود وأضرابهم العاتية قبل هؤلاء، أهلكناهم بفنون العذاب، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا، لما فعلنا بهم ما فعلنا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى، كأنه قيل‏:‏ فلينتظر هؤلاء أيضًا مثل ذلك‏.‏

و ‏{‏أثاثًا‏}‏‏:‏ تمييز، وهو متاع البيت، أو ما جد منه، و‏{‏رِءْيًا‏}‏‏:‏ كذلك، فِعْل من الرؤية بمعنى المنظر، قال ابن عزيز‏:‏ «رءيا» بهمزة ساكنة‏:‏ ما رأيت عليه من شارة حسنة وهيئة، وبغير همز‏:‏ يجوز أن يكون على معنى الأول، ويجوز أن يكون من الريّ‏.‏ أي‏:‏ منظرهم مُرتو من النعمة‏.‏ وَزِيًّا، بالزاي المعجمة، في قراءة ابن عباس، يعني هيئة ومنظرًا‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ رفعة القدر والمقام لا تكون بالتظاهر بمفاخر اللباس والطعام، ولا بحسن الهيئة ومنظر الأجسام، وإنما يكون باحتظاء القلوب بمعرفة الله، وتمكين اليقين من القلوب، واطلاعها على أسرار الغيوب، مع القيام بوظائف العبودية، أدبًا مع عظمة الربوبية، ونسيان النفوس والاشتغال عنها بالعكوف في حضرة القدوس، فأهل القلوب لا يعبأُون بظواهر الأشباح، وإنما يعتنون بحياة الأرواح‏.‏

كمل حقيقتك التي لم تَكْمُلِ *** والجسم دعه في الحضيض الأسفل

فقوت قلوبهم التواجد والأذكار، وحياة أرواحهم العلوم والأسرار، وأنشدوا‏:‏

بالقوت إحياءُ الجسوم وذكره *** تحيا به الألباب والأرواح

هو عيشهم ووجودهم وحياتهم *** حقًا ورَوْح نفوسهم والرَّاح

وأما من عَظُمَ جهلُه، وكَثُفَ حجابه، فإنما ينظر إلى بهجة الظواهر وتزيينها بأنواع المفاخر، أو إلى من عظم جاهه وكثرت أتباعه، وهذه نزعة جاهلية، حيث قالوا حين يُتلى عليهم الوعظ والتذكير‏:‏ ‏(‏أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا‏)‏، ‏{‏يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ‏}‏ ‏[‏الرُّوم‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 76‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ‏(‏75‏)‏ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ‏(‏76‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏ويزيد‏}‏‏:‏ عطف على ‏{‏فليَمدُد‏}‏؛ لأنه في معنى الخبر، أي‏:‏ من كان في الضلالة يمده الله فيها، ويزيد في هداية الذين اهتدوا مددًا لهدايتهم، أو عطف على ‏{‏فسيعلمون‏}‏، وجمع الضمير في ‏{‏رَأَوا‏}‏ وما بعدها؛ باعتبار معنى ‏{‏مَنْ‏}‏، وأفرد أولاً باعتبار لفظها‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏مَنْ كان‏}‏ مستقرًا ‏{‏في الضلالة‏}‏ مغمورًا في الجهل والغفلة عن عواقب الأمور، مشتغلاً بالحظوظ الفانية، ‏{‏فليَمْدُدْ له الرحمنُ مَدَّا‏}‏ أي‏:‏ يمد له بطول العمر وتيسير الحظوظ، إما استدراجًا، كما نطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً‏}‏ ‏[‏آل عِمرَان‏:‏ 178‏]‏، أو قطعًا للمعاذير كما نطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّر‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 37‏]‏، أو‏:‏ ‏{‏فليمدد له‏}‏‏:‏ يدعه في ضلاله، ويمهله في كفره وطغيانه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 110‏]‏‏.‏ والتعرّض لعنوان الرحمانية؛ لبيان أن أفعالهم من مقتضيات الرحمة مع استحقاقهم تعجيل الهلاك‏.‏

وكأنه جلّ جلاله لما بيَّن عاقبة الأمم المهلَكة، مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظ العاجلة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لَهُم من الحظوظ بمآل أمر الفريقين، وهو استدراج أهل الضلالة ثم أخذهم، وزيادة هداية أهل الإيمان ثم إكرامهم، كما بيَّن ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذا رَأوا ما يُوعدون‏}‏، فهو غاية للحد الممتد، أي‏:‏ نمد لهم في الحياة وفنون الحظوظ حتى ينزل بهم ما يوعدون؛ ‏{‏إِمَّا العذاب‏}‏ الدنيوي بالقتل، والأسر، وغلبة أهل الإيمان عليهم، ‏{‏وإِمَّا الساعةَ‏}‏، وهو يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والهوان، و«إما» هنا‏:‏ لمنع الخُلو، لا لمنع الجمع؛ فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال‏.‏

‏{‏فسيعلمون‏}‏ حينئذ ‏{‏مَن هو شرٌّ مكانًا‏}‏ من الفريقين، بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يُقدّرون، فيعلمون أنهم شر مكانًا، لا خير مقامًا، ‏{‏و‏}‏ يعلمون أنهم ‏{‏أضعفُ جندًا‏}‏ أي‏:‏ جماعة وأنصارًا، لا أحسن نَدِيًّا، كما كانوا يدعونه، وليس المراد أن لهم يوم القيامة جندًا سيَضعف، وما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وإنما ذكر ذلك ردًّا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانًا وأنصارًا، يفتخرون في الأندية والمحافل، فردَّ ذلك بأنه باطل وظل آفل، ليس تحته طائل‏.‏

ثم ذكر فريق أهل الإيمان فقال‏:‏ ‏{‏ويزيدُ اللهُ الذينَ اهتدوا هُدَىً‏}‏ أي‏:‏ كما يمد لأهل الضلالة؛ زيادة في ضلالهم، كذلك يزاد في هداية أهل الهداية؛ ثوابًا على طاعتهم؛ لأن كلا يجزي بوصفه، فلا تزال الهداية تنمو في قلوبهم حتى يردوا موارد الكرم، أمَّا في الدنيا فبكشف الحجاب وانقشاع السحاب حتى يشاهدوا رب الأرباب، فما كانوا يؤمنون به غيبًا صار عيانًا، وأمَّا في الآخرة فبنعيم الحور والقصور، ورؤية الحليم الغفور‏.‏

فقد بيَّن الحق تعالى حال المهتدين إثر بيان حال الضالين، وأن إمهال الكافر وتمتيعه بالحظوظ ليس لفضله، وإن منع المؤمن من تلك الحظوظ ليس لنقصه، بل قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا الفانية، وقوم ادخرت لهم طيباتهم للحياة الباقية، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والباقياتُ الصالحاتُ‏}‏؛ كأنواع الطاعات، ‏{‏خيرٌ عند ربك‏}‏؛ لبقاء فوائدها ودوام عوائدها‏.‏‏.‏‏.‏ وقد تقدم تفسيرها‏.‏

والتعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه، أي‏:‏ فهي أفضل ‏{‏ثوابًا‏}‏ أي‏:‏ عائدة مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية، التي يفتخرون بها؛ لأن مآلها الحسرة السرمدية والعذاب الأليم، ومآل الباقيات الصالحات النعيم المقيم في دار الدوام، كما أشير إليه بقوله‏:‏ ‏{‏وخيرٌ مَرَدًّا‏}‏ أي‏:‏ مرجعًا وعاقبة، وتكرير الخير لمزيد الاعتناء بشأن الخيرية وتأكيد لها في التفضيل، مع أن ما للكفرة بمعزل من أن يكون له خيرية في العاقبة، ففيه نوع تهكم بهم‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ اعلم أن الحق- جلّ جلاله- يرزق العبد على قدر نيته، ويمده على قدر همته، فمن كانت همته في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية، أمده الله فيها، ومتعه بها ما شاء، على حسب القسمة، ثم أعقبه الندم والحسرة، ومن كانت همته الآخرة، أمده سبحانه في الأعمال التي تُوصله إلى نعيمها، كصلاة وصيام وصدقة وتدريس علم، وأذاقه من حلاوتها ما يُهون عليه مرارتها، ثم أعقبه النعيم الدائم من القصور والحور، وأنواع الطيبات، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين‏.‏

ومن كانت همته الله- أي‏:‏ الوصول إلى حضرته دون شيء سواه- أمده الله في الأعمال التي توصله إليه، وهي أعمال القلوب؛ من التخلية والتحلية، كالتخلية من الرزائل والتحلية بالفضائل، وكقطع المقامات بأنواع المجاهدات، ورأس ذلك أن يُوصله إلى شيخ كامل جامع بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسلوك، قد سلك الطريق على شيخ كامل، فإذا وصله إليه وكشف له عن سر خصوصيته فليستبشر بحصول المطلب وبلوغ الأمل‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 80‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏77‏)‏ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏(‏78‏)‏ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ‏(‏79‏)‏ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ‏(‏80‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ في حق العاص بن وائل‏:‏ ‏{‏أفرأيت الذي كفر بآياتنا‏}‏‏:‏ القرآن المشتمل على البعث والحساب قال خبَّاب بن الأرَت‏:‏ كان لي على العَاصِ بن وَائِل دِيْنٌ، فاقْتَضيتُه، فقَالَ‏:‏ لاَ، والله لا أَقْضيكَ حتى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ‏:‏ لا والله لا أَكْفُرُ بمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثم تُبعثَ، قال العاص‏:‏ فإذا مِتُّ ثم بُعثتُ، جئتني وسيكون لي ثمَّ مالٌ وولدٌ، فأعطيك، لأنكم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة- استهزاء واستخفافًا- وفي رواية البخاري‏:‏ «كُنت قَيْنَا في الجاهلية، فصنعتُ للعاصي سيفًا فجئتُ أتَقَاضَاهُ‏.‏‏.‏‏.‏» فذكر الحديث‏.‏ فالهمزة للتعجيب من حاله، للإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يقضي منها العجب، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي‏:‏ أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي من حقها أن يؤمن بها كل من شاهدها

‏{‏وقال‏}‏ مستهزءًا بها، مصدّرًا باليمين الفاجرة‏:‏ والله ‏{‏لأُوتَينَّ‏}‏ في الآخرة ‏{‏مالاً وولدًا‏}‏ أي‏:‏ انظر إلى حاله فتعجب من حالته البديعة وجرأته الشنيعة، ‏{‏أَطَّلَع الغيبَ‏}‏ أي‏:‏ أبلغ من عظمة الشأن إلى أن يرتقي إلى علم الغيب، الذي استأثر به العليم الخبير، حتى ادعى أن يُؤتى في الآخرة مالاً وولدًا، وأقسم عليه، ‏{‏أم اتخذ عند الرحمن عَهْدًا‏}‏ بذلك، فإنه لا يتوصل إلى العلم بذلك إلا بأحد هذين الطريقين، وهذا رد لكلمته الشنعاء، وإظهار لبطلانها إثر ما أشير إلى التعجب منها‏.‏

والتعرض لعنوان الرحمانية للإشعار بِعِلِّية الرحمة للإيتاء، فإن الرحمة تقتضي الإعطاء على الدوام‏.‏ والعهد‏:‏ قيل‏:‏ كلمة الشهادة، أو العمل الصالح، فإن وعده تعالى بالثواب عليها كالعهد، قال القشيري‏:‏ ‏{‏أَطَّلَع الغيبَ‏}‏ فقال بتعريف له منا، ‏{‏أم اتخذ عند الرحمن عهدًا‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر كذلك‏.‏ ثم قال‏:‏ ودليل الخطاب يقتضي أن المؤمن إذا أمَّلَ من الله شيئًا جميلاً، فالله تعالى يحققه له؛ لأنه على عهد مع الله تعالى، والله لا يُخلف الميعاد‏.‏ ه‏.‏

ثم أبطل ما أمله الكافر فقال‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي‏:‏ انزجر عن هذه المقالة الشنيعة، فهو ردع له عن التفوه بتلك العظيمة، وتنبيه على خطئه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏سنكتبُ ما يقول‏}‏ أي‏:‏ سنظهر ما كتبنا عليه، فهو كقول الشاعر‏:‏

إذَا ما انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ *** أي‏:‏ تبين أني لم تلدني لَئِيمَةٌ، أو‏:‏ سنحفظ عليه ما يقول فنجازيه عليه في الآخرة، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمةً في الحال ويجازى عليها في المآل، فإن نفس الكتابة لم تتأخر عن القول لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 18‏]‏، قال ابن جزي‏:‏ إنما جعله مستقبلاً؛ لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ والظاهر إنما أبرزه بصورة المستقبل، تنبيهًا على عدم نسخه، وأنه ماض نافذ‏.‏

قاله في الحاشية‏.‏

‏{‏ونَمُدُّ له من العذاب مَدًّا‏}‏، مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والأولاد، أي‏:‏ نطول له من العذاب ونمد له فيه ما يستحقه، أو نزيد في مضاعفة عذابه، لكفره وافترائه على الله سبحانه، واستهزائه بآياته العظام، ولذلك أكده بالمصدر، دلالةً على فرط الغضب والسخط‏.‏

‏{‏ونَرِثُه ما يقولُ‏}‏، قال مكي‏:‏ حرف الجر محذوف، أي‏:‏ نرث منه ما يقول‏.‏ ه‏.‏ والظاهر أن ‏{‏ما‏}‏‏:‏ بدل من الضمير، وهو الهاء، أي‏:‏ نرث ما يقول وما يدعيه لنفسه اليوم من المال والولد‏.‏ وفيه إيذان بأنه ليس لما يقول مصداق موجود سوى القول، أي‏:‏ ننزع منه ما آتيناه، ‏{‏ويأتينا‏}‏ يوم القيامة ‏{‏فرْدًا‏}‏ لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا، فضلاً أن يؤتى ثمَّةَ مالاً وولدًا زائدًا‏.‏ وقال القشيري‏:‏ فردًا بلا حجة على قوله وقَسَمِه‏:‏ ‏{‏لأوتين مالاً وولدًا‏}‏، وذلك منه استهزاء ومحض كفر‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ يُفهم من الآية أن الإنسان إذا آمن بآيات الله وعمل بما أمره الله يكون له عهد عند الله، فإذا تمنى شيئًا أو منَّاه غيره لا يخيبه الله، ويتفاوت الناس في العهد عند الله، على قدر تفاوتهم في طاعته ومعرفته، وسيأتي في قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً‏}‏ ‏[‏مريَم‏:‏ 87‏]‏ زيادة بيانه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 84‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ‏(‏81‏)‏ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ‏(‏82‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ‏(‏83‏)‏ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ‏(‏84‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ واتخذ المشركون الأصنام ‏{‏آلهةً‏}‏ يعبدونها من دون الله ‏{‏ليكونوا لهم عِزًّا‏}‏ يوم القيامة، ووصلة عنده يشفعون لهم، ‏{‏كلا‏}‏ لا يكون ذلك أبدًا، فهو ردع لهم عن ذلك الاعتقاد الباطل، وإنكارٌ لوقوع ما علَّقوا به أطماعَهم، ‏{‏سيكفرون بعبادتهم‏}‏ أي‏:‏ تجحد الآلهة عبادتَهم لها، بأن يُنطقهم الله تعالى وتقول ما عبدتمونا، أو‏:‏ سيكفر الكفرة عبادتهم لها حين شاهدوا سوء عاقبة عبادتهم لها، كقوله‏:‏ ‏{‏والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعَام‏:‏ 23‏]‏، ‏{‏ويكونون عليهم ضِدًا‏}‏ أي‏:‏ تكون الآلهة، التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزًا، ضدًا للعز، أي‏:‏ ذلاً وهوانًا؛ لأنهم تعززوا بمخلوق بسخط الخالق، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من طلب رضا المخلوق بمعصية الخالق عاد حامده من الناس ذامًّا» وتكون عونًا عليهم، وآلة لعذابهم، حيث تجعل وقود النار وحَصَب جهنم، أو تكون الكفرة ضدًا وأعداء للآلهة، كافرين بها، بعد أن كانوا يُحبونها كحب الله، ويعبدونها من دون الله، وتوحيد الضد؛ لتوحيد المعنى الذي عليه تدور مضادتهم، فإنهم بذلك كشيء واحد، كقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ»‏.‏

وسب عبادتهم للأصنام تزيين الشيطان، وَفَاء بقوله‏:‏ ‏{‏لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض‏}‏ ‏[‏الحِجر‏:‏ 39‏]‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تَرَ أنا أرسلنا الشياطينَ على الكافرين‏}‏ أي‏:‏ سلطهم عليهم ومكنهم من إغوائهم، بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الإسرَاء‏:‏ 64‏]‏ الآية‏.‏

وهذا تعجيب لرسوله صلى الله عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة عن هؤلاء الكفرة، العتاة المردة، من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل، والتمادي في الغي، والانهماك في الضلال، والتصميم على الكفر، من غير صارف يلويهم، ولا عاطف يثنيهم، وإجماعهم على مدافعة الحق بعد اتّضاحه، وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، لا أن له مسوغًا في الجملة، أي‏:‏ ألم تر ما فعلت الشياطين بالكفرة حتى صدر منهم ما صدر من تلك القبائح والعظائم، وليس المراد تعجيبه عليه السلام من مطلق إرسال الشياطين عليهم، كما يوهمه تقليل الرؤية، بل عما صدر عنهم من حيث إنها من آثار إغواء الشياطين، كما ينبئ عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَؤُزهُم أزًّا‏}‏ أي‏:‏ تغريهم وتهيجهم على المعاصي تهييجًا شديدًا، بأنواع الوساوس والتسويلات‏.‏ فالأز والاستفزاز أخوان، معناهما‏:‏ شدة الانزعاج، وجملة ‏{‏تؤزّهم‏}‏‏:‏ حال مقدرة من الشياطين، أو استئناف وقع جوابًا عن صدر الكلام، كأنه قيل‏:‏ ماذا تفعل بهم الشياطين‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏تؤزّهم أزًّا‏}‏‏.‏

‏{‏فلا تعجل عليهم‏}‏ بأن يهلكوا حسبما تقتضي جناياتهم ويبيدوا عن آخرهم، وتطهرُ الأرض من فسادهم، ‏{‏إِنما نعدّ لهم عَدًّا‏}‏ أي‏:‏ لا تستعجل بهلاكهم، فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس قلائل نعدها عدًا، ثم نأخذهم أخذًا‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كل من اتخذ شيئًا يتعزز به من دون الله وطاعته انقلب عليه ذُلاً وهوانًا، ولذلك قيل‏:‏ «من تعزز بمخلوق مات عزه»‏.‏ فإن أردت عزًا لا يفنى فلا تتعزز بعز يفنى، وهو التعزز بالمال أو الجاه، أو غير ذلك مما يفنى، وسيأتي عند قوله‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 10‏]‏‏.‏ ‏{‏وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المنَافِقون‏:‏ 8‏]‏ زيادة بيان‏.‏ وكما أرسل الحق تعالى الشياطين على الكافرين تزعجهم إلى المعاصي أرسل الملائكة والواردات الإلهية إلى المؤمنين تنهضهم إلى طاعة الله، وتزعجهم إلى السير لمعرفة الله‏.‏ فالملائكة تحرك العبد إلى الطاعة، والواردات تزعجه إلى الحضرة، تخرجه عن عوائده وتدمغ له مِن علائقه، وعوائقه، حتى ينفرد لحضرة الحق‏:‏ وفي الحكم‏:‏ «الوارد يأتي من حضرة قهار، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه؛ ‏{‏بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‏}‏‏.‏ وقال أيضًا‏:‏» متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد لديك؛ «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها»‏.‏

وقال القشيري على قوله‏:‏ ‏{‏تؤزهم أزًّا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ تزعجهم إزعاجًا، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وظلمة، وخاطر الحقِّ يكون بَروْحٍ وسكون، وهذه إحدى الفوارق بينهما‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ ومن الفوارق أيضًا‏:‏ أن خاطر الحق لا يأمر إلا بالخير مع برودة وانشراح في القلب وسكون وأناة‏.‏‏.‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «العجلة من الشيطان، والأناة من الرحمن» ه‏.‏ بخلاف خاطر الشيطان؛ فإنه لا يأمر إلا بالشر، وقد يأمر بالخير إذا كان يجرُّ به إلى الشر، وعلامته أن يكون فيه ظلمة ودَخن وعجلة وبطش، وقد استوفى الكلام عليهم في النصيحة الكافية‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 87‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ‏(‏85‏)‏ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ‏(‏86‏)‏ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ‏(‏87‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏يوم نحشر‏}‏‏:‏ إما ظرف لفعل مؤخر؛ للإشعار بضيق العبارة عن حصره؛ لكمال جماله أو فظاعته، والتقدير‏:‏ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن، ونسوق المجرمين، نفعل بالفريقين ما لا يفي به نطاق المقال، أو ظرف لاذكر، و‏{‏وفْدًا‏}‏ و‏{‏وِرْدًا‏}‏‏:‏ حالان‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يوم نحشرُ المتقين‏}‏‏:‏ نجمعهم ‏{‏إلى الرحمن‏}‏ أي‏:‏ إلى ربهم يغمرهم برحمته الواسعة، ‏{‏وَفْدًا‏}‏‏:‏ وافدين عليه، كما يفد الوفود على الملوك، منتظرين لكرامتهم وإنعامهم‏.‏ وعن عليّ كرم الله وجهه‏:‏ ‏(‏لما نزلت هذه الآية، قلت‏:‏ يا رسول الله، إني قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أر وفدًا إلا راكبًا، فما وفد الله‏؟‏ قال‏:‏ «يا عليّ؛ إذا حان المنصَرَفُ من بين يدي الله، تلقت الملائكة المؤمنين بنُوقٍ بيض، رِحالُهَا وأزِمَّتُها الذَهَبُ، على كل مركب حُلة لا تُساويها الدنيا، فيلبس كل مؤمن حلّة، ثم يستوون على مراكبهم، فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة ‏{‏سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين‏}‏»‏.‏ ‏{‏ونَسُوقُ المجرمين‏}‏ كما تُساق البهائم ‏{‏إِلى جهنم وِرْدًا‏}‏‏:‏ عطاشًا، فإن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش، أو كالدواب التي ترد الماء، أي‏:‏ يوم نحشر الفريقين نفعل ما نفعل مما لا يفي به نطاق العبارة، لما يقع فيه من الدواهي الطامة، أو الكرائم العامة، أو‏:‏ اذكر يوم نحشر الفريقين، على طريق الترغيب والترهيب‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يملكون الشفاعة‏}‏‏:‏ استئناف مبين لما فيه من الأمور الدالة على هوله، وضمير الواو‏:‏ إما لجميع العباد المدلول عليهم بذكر الفريقين لانحصارهم فيها، أو إلى المتقين فقط، أو إلى المجرمين‏.‏

و ‏{‏مَن اتخذ‏}‏‏:‏ منصوب على الاستثناء، أو بدل من الواو، أي‏:‏ لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا من استعد له بالتحلي بالإيمان والتقوى، ففيه ترغيب للعباد في تحصيل الإيمان والتقوى، المؤدي إلى نيل هذه الرتبة العليا‏.‏ أو لا يملك المتقون الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ العهد بالإسلام والعمل الصالح، أو لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان منهم مسلمًا، فيشفع في مثله‏.‏ فَمَن، على هذا الثالث، بدل من الواو فقط‏.‏ والأول أحسن؛ لعمومه‏.‏

قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «أما يَعْجزُ أَحدكُمْ أَنْ يتَّخِذَ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَساءٍ عَهدًا عِند اللهِ، يَقُولُ كُلَّ صَبَاحٍ ومَساءٍ‏:‏ اللهُمَّ فَاطِرَ السماوَاتِ والأرْض، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادةِ، إنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ في هذهِ الحياةَ الدنيا، بأَنِي أشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ أنتَ، وَحْدكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ، فلا تكلني إلى نفسي، فإِنَكَ إنْ تَكلْنِي إلى نَفسْي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشرِّ وتُبَاعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ، وإنّي لاَ أَثِقُ إلاَّ بِرَحْمَتِكَ، فاجَْلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوفِّينِيه يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلفُ المِيعادَ‏.‏ فإذا قالَ ذَلِكَ طُبعَ عَلَيْهِ طابَع ووُضِعَ تَحْتَ العَرْشِ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نَادَىَ مُنَادٍ‏:‏ أَيْنَ الذِينَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ فَيَدْخُلُونَ الجنَّة»

ه‏.‏

الإشارة‏:‏ ورود العباد على الله يوم القيامة يكون على قدر ورودهم إليه اليوم في الدنيا، فبقدر التوجه إليه اليوم تعظم كرامة وروده في الآخرة، فمن ورد على الله تعالى من باب الطاعة الظاهرة حملته صور الطاعات إلى الآخرة، ومن ورد من باب الطاعات القلبية حملته الأنوار إلى الفراديس العالية، ومن ورد من باب الطاعات السرية- كالفكرة والنظرة في مقام المشاهدة- حمله الحق إلى الحضرة القدسية، فيكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏.‏ قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفدًا‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ ركبانًا على نجائب طاعتهم، وهم مختلفون، فمن راكب على صور الطاعات، ومن راكب على نجائب الهمم، ومن راكب على نجائب الأنوار، ومن محمول يحمله الحق في عقباه، كما يحمله اليوم في دنياه، وليس محمول الحق كمحمول الخلق‏.‏ ه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يملكون الشفاعة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، اعلم أن العهد الذي تكون به الشفاعة يوم القيامة هو الطاعة وتربية اليقين والمعرفة، فتقع الشفاعة لأهل الطاعات على قدر طاعتهم وإخلاصهم، وتقع لأهل اليقين على قدر يقينهم، وهم أعظم من أهل المقام الأول، وتقع لأهل المعرفة على قدر عرفانهم، وهم أعظم من القسمين، حتى إن منهم من يشفع في أهل عصره كلهم، وقد سَمِعْتُ من شيخنا الفقيه، شيخ الجماعة سيدي التاودي بن سودة، أن بعض الأولياء قال عند موته‏:‏ يا رب شفعني في أهل زماني، فقال له الحق تعالى- من جهة الهاتف-‏:‏ لم يبلغ قدرك هذا، فقال‏:‏ يا رب إن كان ذلك من جهة عملي واجتهادي فَلَعَمْرِي إنه لم يبلغ ذلك، وإن كان من جهة كرمك وجودك فوعزتك وجلالك لهو أعظم من هذا، فقال له‏:‏ إني شفعتك في أهل عصرك‏.‏ ه‏.‏ بالمعنى‏.‏ فمن رجع إلى كرم الله وجوده، ودخل من هذا الباب، وجد الإجابة أقرب إليه من كل شيء‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 95‏]‏

‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ‏(‏88‏)‏ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ‏(‏89‏)‏ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ‏(‏90‏)‏ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ‏(‏91‏)‏ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ‏(‏92‏)‏ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ‏(‏93‏)‏ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ‏(‏94‏)‏ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ‏(‏95‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏هَدًّا‏}‏‏:‏ مصدر مؤكد لمحذوف، هو حال من الجبال، أي‏:‏ تهد هدًا‏.‏ و‏{‏أن دعوا‏}‏‏:‏ على حذف اللام، أي‏:‏ لأن دعوا، وفيه احتمالات أُخر‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمنُ ولدًا‏}‏ هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، لعن الله جميعهم، فسبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فحكى جنايتهم إثر جناية عَبَده الأصنام، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة، قال تعالى في شأنهم‏:‏ ‏{‏لقد جئتم شيئًا إِدًّا‏}‏ أي‏:‏ فعلتم أمرًا منكرًا شديدًا، لا يقادر قدره، فهو رد لمقالتهم الباطلة، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب، المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بغاية الوقاحة والجهل‏.‏ و‏{‏جاء‏}‏ يستعمل بمعنى فعل، فيتعدى تعديته، والإد- بكسر الهمزة وفتحها، وقُرئ بهما في الشاذ-‏:‏ العظيم المنكر، الإدُّ‏:‏ الشدة، قيل‏:‏ الأدُّ‏:‏ في كلام العرب‏:‏ أعظم الدواهي‏.‏

ثم وصفه وبيّن هوله فقال‏:‏ ‏{‏تكادُ السماواتُ يتفطّرنَ منه‏}‏‏:‏ يتشققن مرة بعد أخرى، من عظم ذلك الأمر وشدة هوله، وهو أبلغ من «ينفطرن» كما قرئ به، ‏{‏وتنشقُّ الأرضُ‏}‏ أي‏:‏ وتكاد تنشق وتذهب، ‏{‏وتخرُّ الجبالُ‏}‏ أي‏:‏ تسقط وتنهدم ‏{‏هَدًّا‏}‏ بحيث لا يبقى لها أثر‏.‏ والمعنى‏:‏ أن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها، بحيث لو تصورت بصورة محسوسة، لم يُطق سمعها تلك الأجرام العظام، ولتفتتت من شدة قبحها، أو‏:‏ إن فظاعتها واستجلاب الغضب والسخط بها بحيث لولا حلمه تعالى، لخر العالم وتبددت قوائمه، غضبًا على من تفوه بها‏.‏ قال محمد بن كعب‏:‏ كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، يعني‏:‏ لأن ما ذكر أوصاف الساعة‏.‏

وذلك ‏{‏أن دَعَوا للرحمنِ ولدًا‏}‏ أي‏:‏ تكاد تنفطر السماوات وتنشق الأرض، وتنهدم الجبال؛ لأجل أن دعوا، أي‏:‏ نسبوا أو سموا للرحمن ولدًا، ‏{‏وما ينبغي للرحمنِ أن يتخِذَ ولدًا‏}‏ أي‏:‏ قالوا اتخذ الرحمن ولدًا، أو دعوا له ولدًا، والحال أنه مما لا يليق به تعالى اتخاذ الولد؛ لاستحالته عليه تعالى‏.‏ ووضع الرحمن موضع الضمير؛ للإشعار بعلية الحكم؛ لأن كل ما سواه تعالى منعَّم عليه برحمته، أو نعمة من أثر الرحمة، فكيف يتصور أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولى أصولها وفروعها، حتى يتَوهم أن يتخذه ولدًا، وقد صرح به قوله عزّ قائلاً‏:‏ ‏{‏إِن كل من في السماوات والأرض‏}‏ أي‏:‏ ما منهم من أحد من الملائكة أو الثقلين ‏{‏إِلا آتي الرحمنِ عبدًا‏}‏؛ مملوكًا لله في الحال بالانقياد وقهرية العبودية‏.‏ ‏{‏لقد أحصاهم‏}‏ أي‏:‏ حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من حيطة علمه، وقبضة قدرته وقهريته، ما وجد منهم وما سيوجد، وما يقدر وجوده لو وجد، كل ذلك في علمه وقضائه وقدره وتدبيره، لا خروج لشيء عنه، وفي ذلك تصوير لقيام ربوبيته على كل شيء، وأنه عالم بكل شيء جملة وتفصيلاً، ‏{‏وكلهم آتيه يومَ القيامةِ فردًا‏}‏ أي‏:‏ وكل واحد منهم يأتي يوم القيامة فردًا من الأموال والأنصار والأتباع، متفردًا بعمله، فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كذلك فأنى يتوهم احتمال أن يتخذ شيئًا منهم ولدًا‏؟‏‏!‏‏.‏

وفي الحديث القدسي‏:‏ «قال الله تعالى‏:‏ كذَّبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشَتمني عبدي ولم يكن له ذلك، أما تكذيبُهُ إيايَ؛ فأن يقولَ‏:‏ من يُعيدُنا كما بَدأنا‏؟‏ وأما شَتمُه إياي؛ فأن يقول‏:‏ اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ، لم أَلِد ولم أُولدَ، ولم يكن لي كُفوًا أحد» وهو في البخاري‏.‏ وفي صيغة اسم الفاعل في قوله‏:‏ ‏{‏آتيه‏}‏ من الدلالة على إتيانهم كذلك ألبتة ما ليس في صيغة المضارع لو قيل يأتيه‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ إذا علمت أيها المؤمن أن الحق جلّ جلاله يغضب هذا الغضب الكلي على من أشرك مع الله، أو اعتقد فيه ما ليس هو عليه من التنزيه وكمال الكمال، فينبغي لك أن تخلص مَشربَ توحيدك من الشرك الجلي والخفي، علمًا وعقدًا وحالاً وذوقًا، حتى لا يبقى في قلبك محبة لشيء من الأشياء ولا خوف من شيء، ولا تعلق بشيء، ولا ركون لشيء، إلا لمولاك، وحينئذ يصفي مشرب توحيدك، وتكون عبدًا لله خالصًا حرًا مما سواه، ومهما بقي فيك شيء من محبة الهوى نقص توحيدك بقدره، ولم تصل إليه ما دمت تميل إلى شيء سواه‏.‏ وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه‏:‏

إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ *** لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيهِ فَضْلَه

فكن عبدًا لله حقيقة، وانخرط في سلك قوله‏:‏ ‏{‏إِن كل من في السماوات والأرض إِلا آتي الرحمن عبدًا‏}‏‏.‏ فحينئذ تكون حرًا مما سواه، وَيملكك الوجود بأسره، يكون عند أمرك ونهيك‏.‏ وفي ذلك يقول القائل‏:‏

دَعَوْني لملكهم فلما أجبتهم *** قالوا دعوناك للمُلك لا للمِلك

وإذا فتحت عين القدرة وعين الحكمة وضعت كل شيء في محله، فتتنزه بعين القدرة في رياض الملكوت وبحار الجبروت، وتتنزه بعين الحكمة في بهجة الملك وأسرار الحكمة‏.‏ فعين القدرة تقول‏:‏ كل من في السماوات والأرض عبد مملوك تحت قهرية ذاته، فاعرف الضدين، وأنزل كل واحد في محله، تكنْ عارفًا بالله، فإن أردت أن تعرفه بضد واحد بقيت جاهلاً به‏.‏ فالحكمة تثبت العبودية صورة؛ صونًا لكنز الربوبية، والقدرة تغيبك عنها بشهود أسرار الربوبية، وفي الحكم‏:‏ «سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية»‏.‏

فالعبودية لازمة من حيث العبد، والغيبة عنها واجبة من حيث الرب، فإثبات العبودية، حكمةً، فرق، والغيبة عنها في شهود أنوار الربوبية‏:‏ جمع، فالعارف مجموع في فرقه، مفروق في جمعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏96‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ‏(‏96‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ لما استحقر الكفرةُ أحوالَ المؤمنين حتى قالوا‏:‏ ‏{‏أينا خير مقامًا وأحسن نديًّا‏}‏، أخبر الله تعالى المؤمنين وبشرهم أنهم سيعزهم ويلقى مودتهم في قلوب عباده‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعلُ لهم الرحمن‏}‏ في قلوب الناس مودة وعطفًا، حتى يحبهم كل من سمع بهم، فيحبهم ويحببهم إلى عباده من أهل السماوات والأرض، أي‏:‏ سيحدث لهم في القلوب مودةً من غير تعرض لأسبابها، سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح، أو ‏{‏وُدًّا‏}‏ فيما بينهم، فيتحابون ويتواددون ويحبهم الله‏.‏

قال القشيري‏:‏ يجعل في قلوبهم ودًّا لله، وهو نتيجة أعمالهم الخالصة، وفي الخبر‏:‏ «لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه»‏.‏ والتعرض لعنوان الرحمانية؛ لِمَا أنَّ الموعود من آثارها، وأن مودتهم رحمة بهم وبمن أحبهم‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليّ رضي الله عنه‏:‏ «قل اللهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدكَ عَهْدًا، واجعل لِي في صُدُورِ المؤمِنِينَ مَوَدَّةً» فنزلت الآية‏.‏ وفي حديث البخاري وغيره‏:‏ «إِذا أحَبَّ اللهُ عبدًا قال لجبْريل‏:‏ إني أُحبُ فُلانًا فأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جَبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادي في أَهْلِ السَّماءِ إنَّ اللهَ قَدْ أحَبَّ فُلانًا فأَحبُّوهُ، فَيُحبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضع لَهُ المحبة فِي الأرْض»‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏سيجعل لهم الرحمن ودًا‏}‏ قال‏:‏ أي والله ودًا في قلوب أهل الإيمان‏.‏ وإن هرم بن حيان يقول‏:‏ ما أقبل عبدٌ بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم‏.‏ قلت‏:‏ ولفظ الحديث‏:‏ «ما أقْبَلَ عبدٌ بقلْبهِ إلى اللهِ عزّ وجلّ إلا جَعلَ الله قلوبَ المؤمنينَ تَفِدُ إليه بالودِّ والرحمَةِ، وكان الله إليه بكل خيرٍ أسرَعَ» نقله في الترغيب‏.‏ وفي حديث آخر‏:‏ «يُعطي المؤمنُ ودًّا في صدور الأبرار، ومهابة في سدور الفجار» فَتَوَدُّد الناس للعبد دليل على قبوله عند مولاه‏.‏ أنتم شهداء الله في أرضه‏.‏ وفي بعض الأثر‏:‏ «لا يموت العبد الصالح حتى يملأ مسامعه مما يُحب، ولا يموت الفاجر حتى يملأ مسامعه مما يكره»‏.‏ بالمعنى‏.‏

وأتى الحقّ جلّ جلاله بالسين؛ لأن السورة مكية، وكانوا إذ ذلك ممقوتين عند الكفرة، فوعدهم ذلك، ثم أنجزه لهم حين جاء الإسلام، فعَزوا وانتصروا، وتعشقت إليهم قلوب الخلق من كل جانب، كما هو مسطر في تواريخهم‏.‏ وقيل‏:‏ الموعود في القيامة، حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد كأنها أنوار الشمس الضاحية، ولعل إفراد هذا بالوعد من بين ما لهم من الكرامات السنية؛ لأن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تقاطع وتباغض وتضاد‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ سُنَّة الله تعالى في أوليائه، في حال بدايتهم، أن يُسلط عليهم الخلق، وينزل عليهم الخمول والذل بين عباده، حتى يمقتهم أقرب الناس إليهم، رحمة بهم واعتناء بقلوبهم؛ لئلا تسكن إلى غيره‏.‏ قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه‏:‏ اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ فإذا تطهروا من البقايا وكملت فيهم المزايا، وتمكنوا من معرفة الحق، أعزهم وألقى مودتهم في قلوب عباده، هذا دأبه معهم في الغالب، وقد يحكم على بعضهم بالخمول حتى يلقاه على ذلك، ولا يكون ذلك نقصًا في حقه بل كمالاً، وهم شهداء الملكوت، لم يأخذوا من أجرهم شيئًا‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 98‏]‏

‏{‏فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ‏(‏97‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ الفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم، كأنه قيل- بعد إيحاء السورة الكريمة-‏:‏ بلغ هذا المنزّل عليك، وبشر به، وأنذر؛ فإنما يسرناه‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، قاله أبو السعود‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏فإِنما يسرناه‏}‏ أي‏:‏ القرآن ‏{‏بلسانك‏}‏ بأن أنزلناه على لغتك، والباء بمعنى «على» وقيل‏:‏ ضَمَّنَ التيسيرَ معنى الإنزال، أي‏:‏ يسرنا القرآن وأنزلناه بلغتك ‏{‏لتُبشّر به المتقين‏}‏ أي‏:‏ السائرين إلى التقوى بامتثال ما فيه من الأمر والنهي، ‏{‏وتُنذرَ به‏}‏ أي‏:‏ تخوف به ‏{‏قومًا لُدًّا‏}‏ لا يؤمنون به، لجاجًا وعنادًا، واللُّدُّ‏:‏ جمع أَلَد، وهو الشديد الخصومة، اللجوج المعاند‏.‏

‏{‏وكم أهلكنا قَبْلَهم من قَرنٍ‏}‏ أي‏:‏ كثيرًا من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين، فهو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على الكفرة ووعيد لهم بالهلاك، وحث له صلى الله عليه وسلم على الإنذار، أي‏:‏ دُم على إنذارك لهم، فسيهلكون كما أهلكنا من قبلهم من القرون، ‏{‏هل تُحِسُّ منهم أحدٍ‏}‏ أي‏:‏ هل تشعر بأحد منهم، وترى له من باقية ‏{‏أو تَسْمَعُ لهم رِكْزًا‏}‏ أي‏:‏ صوتًا خفيًا، هيهات قد انقطع دابرهم وهدأت أصواتهم، وخربت قصورهم وديارهم، وكذلك نفعل بغيرهم، والمعنى‏:‏ أهلكناهم بالكلية، واستأصلناهم بحيث لا يُرى منهم أحد، ولا يسمع لهم صوت خفي ولا جلي‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏هل تحس‏}‏‏:‏ استئناف مقرر لمضمون ما قبله، وأصل الرِّكز‏:‏ الخفاء، ومنه‏:‏ رَكَزَ الرمحَ؛ إذا غيب طَرفه في الأرض، والرِّكاز‏:‏ المال المدفون المخفي‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ما أنزل الله القرآن وسهله على عباده إلا ليقع به الوعظ والتذكير، فأمر اللهُ رسوله في حياته بالبشارة والإنذار به، وبقي الأمر لخلفائه، فالواجب على العلماء والأولياء أن يتصدوا للوعظ والتذكير، ولا يكفي عنه تعليم رسوم الشريعة، فإن الوعظ إنما هو التخويف والتبشير، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لتُبشر به المتقين وتُنذر به قومًا لُدًّا‏}‏‏.‏

لكن لا يتصدى للوعظ إلا من له نور يمشي به في الناس، فيسبقه نورُ قلبه إلى القلوب المستمعة، فيقع كلامهم في قلوب السامعين‏.‏ قال في الحكم‏:‏ «تسبق أنوارُ الحكماء أقوالَهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير»‏.‏ هذا النور هو نور المعرفة الذي هي مقام الفناء، ويشترط فيه أيضًا‏:‏ أن يكن مأذونًا له في الكلام من شيخ كامل، أو وحي إلهامي حقيقي، فحينئذ يقع كلامه في مسامع الخلق‏.‏ وفي الحكم‏:‏ «من أُذن له في التعبير حسنت في مسامع الخلق عبارته، وجُليت إليهم إشارته»‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ «ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار، إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار»‏.‏ وفي أمثال هؤلاء المتصدين للوعظ والتذكير ورد الخبر القدسي‏:‏ «إنَّ أودَّ الأوِدَّاءِ إليّ من يُحببني إلى عبادي، ويُحبب عبادي إليّ، ويمشون في الأرض بالنصيحة»‏.‏‏.‏ جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه آمين‏.‏ وصلَّى اللهُ على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلَّم تسليمًا‏.‏

سورة طه

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏طه ‏(‏1‏)‏ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ‏(‏2‏)‏ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏3‏)‏ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ‏(‏4‏)‏ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ‏(‏5‏)‏ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏(‏6‏)‏ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ‏(‏7‏)‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ‏(‏8‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ عن ابن عباس أن «طه» من أسماء الله تعالى، وقيل‏:‏ معناه‏:‏ طوبى لمن هدى، وقيل‏:‏ يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس‏.‏

ورُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لي عشرة أسماء‏.‏‏.‏‏.‏» فذكر أن منها «طه ويس»، وقيل‏:‏ معناه‏:‏ طِئ الأرض بقدمك؛ لأنه كان يرفع رِجْلاً في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفًا، والضمير للأرض، ورُد بأنه لو كان كذلك لكُتبت بالألف، فإنَّ الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ يا رجل‏.‏ وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية‏.‏ قيل‏:‏ من جعل معنى «طه» يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسمًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحًا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قَسَمًا، فإنه لا يقف عليها؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏ما أنزلنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ جواب قسم‏.‏

قلت‏:‏ المتبادر من سبب نزولها ومن قوله‏:‏ ‏{‏ما أنزلنا‏}‏‏:‏ إما القسم أو النداء، فالقَسَم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأمَّا غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافًا بعد الوقف على «طه»‏.‏ قاله في الحاشية‏.‏

و ‏{‏إلاَّ تذكرة‏}‏‏:‏ مفعول لأجله‏.‏ والاستثناء منقطع، أي‏:‏ ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و‏{‏تنزيلاً‏}‏‏:‏ مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي‏:‏ أنزل تنزيلاً، والأصح‏:‏ أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من «القرآن»، و‏{‏الرحمن‏}‏‏:‏ رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحًا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعًا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ؛ ليكون في صورة متعلقٍ من متعلقاته‏.‏ وقرئ بالجر؛ صفةً للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا تُوصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو ‏{‏الرحمن‏}‏‏:‏ مبتدأ، و‏{‏على العرش‏}‏‏:‏ خبره‏.‏ و‏{‏على‏}‏‏:‏ متعلقة باستوى، قُدمت للفواصل‏.‏ و‏{‏إن تجهر‏}‏‏:‏ شرط، والجواب محذوف دل عليه ‏{‏فإنه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، أي‏:‏ فالله غني عن جهرك، فإنه‏.‏

‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحًا له من التعب‏:‏ يا محمد ‏{‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى‏}‏ أي‏:‏ لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة‏.‏

رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُومُ باللّيل حَتَّى تَوَرّمَتْ قَدَمَاهُ، فقَالَ لهُ جِبْرِيلُ عليه السلام‏:‏ «أبْق عَلى نَفْسِكَ، فإِنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًا»‏.‏ أي‏:‏ ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضَات الشاقة، والشدائد الفادحة، وما بعثتَ إلا بالحنيفية السمحة‏.‏ أو‏:‏ ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 3‏]‏، بل للتبليغ، وقد فعلت‏.‏ وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم‏:‏ أشقى من رائض مُهر، وقيل‏:‏ إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فردَّ اللهُ ذلك عليهم‏.‏ والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة‏.‏

‏{‏إِلا تذكرةً لمن يخشى‏}‏ أي‏:‏ ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله- عزّ وجلّ-، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن عَلِمَ الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ؛ لأنهم المنتفعون بها‏.‏

‏{‏تنزيلاً‏}‏ أي‏:‏ أنزل تنزيلاً، أو حالَ كَوْنِ القرآن تنزيلاً، أي‏:‏ منزلاً ‏{‏ممّن خلق الأرض والسماوات العلى‏}‏، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله‏:‏ ‏{‏ما أنزلنا‏}‏؛ لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير‏.‏ وتخصيص خلقهما بالذكر؛ لتضادهما‏.‏ وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعُلى، وهو جمع «عليا»؛ لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل‏.‏ وكل ذلك إلى قوله‏:‏ ‏{‏له الأسماء الحسنى‏}‏، مسوق لتعظيم المنزل- عزّ وجلّ- المستتبع بتعظيم المنزَّل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏الرحمنُ‏}‏ أي‏:‏ هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية؛ للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامَه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضًا من رحمته- تعالى-، كما ينبئ عنه قوله عزّ من قائل‏:‏ ‏{‏الرحمن عَلَّمَ القرآن‏}‏ ‏[‏الرَّحمن‏:‏ 1، 2‏]‏‏.‏ أو‏:‏ ‏{‏الرحمن على العرش استوى‏}‏‏:‏ مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب؛ للإيذان بأن ذلك أمر بيِّن لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحًا‏.‏

والاستواء على العرش مجاز عن المُلك والسلطان، يقال‏:‏ استوى فلان على سرير الملك؛ مرادًا به مَلَك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلاً، والمراد‏:‏ تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام‏.‏

وسُئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال‏:‏ استواء مَنْ غَلَبَ وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر‏.‏ وسئل عنه مالك والشافعي- رضي الله عنهما- فقالا‏:‏ الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدّقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك‏.‏

وقال الجنيد رضي الله عنه‏:‏ خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلاً للتجليات والتنزلات والمخاطبات‏.‏ ه‏.‏ وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيًا‏.‏

‏{‏له ما في السماوات وما في الأرضِ‏}‏، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، ‏{‏وما بينهما‏}‏ من الموجودات الكائنة في الجو دائمًا، كالهواء والسحاب، أو أكثريًا؛ كالطير، أي‏:‏ له ذلك وحده دون غيره، لا شركةً ولا استقلالاً، كل ما ذكر هو له؛ ملكًا وتصرفًا، وإحياء وإماتة، وإيجادًا وإعدامًا، ‏{‏وما تحت الثرى‏}‏‏:‏ وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى‏.‏ وعن محمد بن كعب‏:‏ أنه ما تحت الأرضين السبع‏.‏ وعن السدي‏:‏ أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض؛ لزيادةِ التقرير‏.‏ ‏{‏وإِن تجهر بالقول‏}‏ أي‏:‏ وإن تجهر بذكره تعالى- أو دعائه-، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك؛ ‏{‏فإِنه يعلمُ السرَّ وأخْفَى‏}‏ أي‏:‏ ما أسررته إلى غيرك، وشيئًا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلاً أو‏:‏‏:‏ السر‏:‏ ما أسررته في نفسك، وأخفى منه‏:‏ ما ستُسره في المستقبل‏.‏ وهو إمّا نهي عن الحركة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ‏}‏ ‏[‏الأعرَاف‏:‏ 205‏]‏، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى؛ بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار‏.‏ هذا والغرض من الآية‏:‏ بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات‏.‏

ثم بيَّن الموصوف بتلك الكمالات، فقال‏:‏ ‏{‏الله‏}‏ أي‏:‏ ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، ‏{‏لا إِله إِلا هو‏}‏ أي‏:‏ لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو‏.‏ وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإنَّ ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏له الأسماء الحسنى‏}‏ بيان لكون ما ذكر من الخالقِية والرحمانية والمالكية والعالِمِية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى؛ فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد‏.‏

و ‏{‏الحسنى‏}‏‏:‏ تأنيث الأحسن، فُعلى، يُوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك ‏{‏مَآرِبُ أخرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 18‏]‏، و‏{‏آيَاتِنَا الكبرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 23‏]‏‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- وجده يدل على ما يُفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوَصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يُفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى رَوْح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان‏.‏ ولذلك قال الشيخ أبو الحسن‏:‏ «ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك»، كما في لطائف المنن‏.‏

وقال شيخنا القطب ابن مشيش‏:‏ وقد سُئل عن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا» فقال‏:‏ دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دَلَّك على الدنيا فقد غشك، ومن دلَّك على العمل فقد أتعبك، ومن دلَّك على الله فقد نصحك‏.‏ ه‏.‏ فإذا دلك على الله غَيَّبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود‏.‏ فمن اتخذ شيخًا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يُرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا تذكرة لمن يخشى‏}‏، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف‏:‏ قيل‏:‏ أنزل اللهُ القرآنَ لتذكير سابق الوصال؛ لأن الأرواح لمّا دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسًا؛ لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه‏.‏ وقال جعفر الصادق‏:‏ أنزل اللهُ القرآنَ موعظةً للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسًا للمحبين‏.‏ وايضًا‏:‏ القرآن يُذَكّر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مُذهب للغفلة‏.‏ ثم قال‏:‏ وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفعُ المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولاً، وقد قال‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصلاة لذكريا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏، أي‏:‏ لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحةً، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه‏.‏ والله أعلم‏.‏ ه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الرحمنُ على العرش استوى‏}‏، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحِكَم بقوله‏:‏ «يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبًا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبًا في عرشه، مَحَقْتَ الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار‏.‏ وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته؛ فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير‏.‏ وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء‏.‏ والله تعالى أعلم وأعظم‏.‏